"معًا نتقدم".. ودور القطاع الخاص في عبور المرحلة المقبلة

 

 

 

د. يوسف بن حمد البلوشي

yousufh@omaninvestgateway.com

 

تشهد سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة تحسُّنًا ملموسًا في عدد من المؤشرات الاقتصادية والمالية، انعكس على استقرار المالية العامة، وتحسُّن مستويات النمو، وتعافي النشاط الاقتصادي بعد سنوات من الضغوط والتحديات. غير أنّ هذا التحسّن، على أهميته، لا يكتمل ما لم يُترجم إلى دور أكثر فاعلية للقطاع الخاص، بوصفه المحرّك الحقيقي والمستدام للنمو، وقاطرة خلق فرص العمل، والركيزة الأساسية للتنويع الاقتصادي.

القطاع الخاص لا يزال، رغم ما تحقق من تقدّم، الحلقة الأهم التي لم تُفعَّل بعد بالشكل الذي يتناسب مع طموحات المرحلة المقبلة؛ إذ إنَّ مساهمته الفاعلة في توليد فرص العمل النوعية، وفي الاستثمار لتوسيع القاعدة الإنتاجية، وفي تخفيف الاعتماد على النفط، ما تزال دون المستوى الذي تستهدفه رؤية «عُمان 2040»، ودون ما تتطلبه التحولات الاقتصادية الإقليمية والعالمية المتسارعة.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى أن ينظر الجميع- وفي مقدمتهم الحكومة- إلى القطاع الخاص على أنه شريك حقيقي وأصيل في مسيرة التنمية، لا مجرد مُنفِّذ للمشاريع أو طرف ثانوي في الدورة الاقتصادية. نحن اليوم نمضي في بحرٍ تتلاطم فيه رياح التغيير، وتتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، ولا يمكن عبور هذه المرحلة بثقة وثبات دون شراكة متكاملة بين القطاعين العام والخاص.

والنظر إلى القطاع الخاص كشريك لا يعني فقط تسهيل الإجراءات أو تحسين بيئة الأعمال؛ بل يتطلب قناعة راسخة بأن نجاح شركات القطاع الخاص هو نجاح مباشر للاقتصاد الوطني وللدولة نفسها؛ فكل شركة ناجحة في القطاع الخاص تسهم بما يقارب 15% من أرباحها في خزينة الدولة، وهو ما يجعل الحكومة شريكًا فعليًا في نتائج هذه الشركات.

ومن هنا، فإن تعظيم أرباح القطاع الخاص ليس مكسبًا خاصًا لأصحاب الشركات فحسب، بل هو مكسب عام ينعكس على زيادة الإيرادات العامة للدولة، وتوسيع قاعدة التشغيل، وتقليل الحاجة إلى التوظيف الحكومي، والحد من اللجوء إلى فرض ضرائب جديدة.

ويكفي أن نشير في هذا السياق إلى أن القطاع الخاص في سلطنة عُمان يستوعب نحو 85% من إجمالي العاملين في المنظومة الاقتصادية بأكملها، ما يجعله المُشغِّل الأكبر بلا منازع، والأداة الأهم القادرة على توليد فرص العمل المُستدامة. ويؤكد هذا الواقع أنَّ أي استراتيجية لمعالجة التوظيف أو تخفيف العبء عن المالية العامة لا يمكن أن تنجح دون قطاع خاص قوي ومُمكَّن؛ إذ إنَّ نجاحه يعني توسع التشغيل، بينما يؤدي تعثره مباشرة إلى تعاظم الضغوط على الحكومة وسوق العمل.

ولو نظرنا إلى تجارب الدول المتقدمة- وهي الوجهة التي تسعى رؤية "عُمان 2040" للوصول إليها- لوجدنا أن الاقتصادات القوية لا تُبنى على شركات القطاع العام؛ بل على مؤسسات قطاع خاص قوية، ومبتكِرة، وقادرة على المنافسة عالميًا. ففي تلك الدول، يقود القطاع الخاص ديناميكيات النمو، ويخلق فرص العمل، ويستثمر في البحث والتطوير، ويُحوِّل الموارد المتاحة إلى قيمة مضافة عالية.

وعليه، فإنَّ المرحلة المقبلة تتطلب تغييرًا عميقًا في القناعات والذهنيات المرتبطة بدور القطاع الخاص، على أن يبدأ من الحكومة ذاتها، ويمتد إلى مختلف مستويات صُنع القرار. كما يتطلب في المقابل أن تشعر شركات القطاع الخاص بالثقة والأمان في بيئة الاستثمار، وأن تُدرك أن الدولة تقف شريكًا داعمًا لنجاحها واستدامتها، لا منافسًا لها أو مزاحمًا لدورها.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أهمية الاستقرار التشريعي بوصفه أحد الشروط الأساسية لبناء الثقة وتعزيز الاستثمار؛ فالقطاع الخاص لا ينمو بالحوافز والتمويل فقط؛ بل يحتاج إلى وضوح الرؤية، واستقرار القواعد الناظمة للأعمال على المدى المتوسط والطويل.

إن تغيُّر السياسات بشكل متكرر، أو عدم وضوح الاتجاهات المستقبلية، يُضعف شهية الاستثمار، ويجعل الشركات أكثر تحفظًا في التوسُّع، حتى وإنْ توفَّرت الفرص.

وعليه، فإنَّ التزام الحكومة بإطار تشريعي واضح، ومستقر، وقابل للتنبؤ، يُشكِّل رسالة ثقة قوية للقطاع الخاص، مفادها أن الاستثمار طويل الأجل مرحَّبٌ به ويحظى بالحماية. وهذا الاستقرار لا يعني الجمود؛ بل يعني أن أي تعديل في السياسات يتم بشكل مدروس، وبالتشاور مع ممثلي القطاع الخاص، وبفترات انتقالية عادلة، تُمكِّن الشركات من التكيُّف دون تعرُّضها لهزّات مفاجئة. وترسيخ هذا الاستقرار يُعزِّز ثقة المستثمر المحلي قبل الأجنبي، ويدعم خطط التوسع، ويشجِّع الشركات على الاستثمار في التكنولوجيا، والبحث والتطوير، وتوظيف الكفاءات الوطنية.

ومن دون قطاع خاص قوي، لن نتمكن من تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية التي تزخر بها بلدنا العزيزة، ولن ننجح في خلق فرص عمل كافية ومستدامة للسواعد الوطنية، وسنبقى عُرضة لتقلبات أسعار النفط كما كنا خلال العقود الخمسة الماضية. أما مع قطاع خاص فاعل، فسنكون أمام اقتصاد أكثر تنوعًا، وأكثر متانة، وأكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات.

نحن اليوم، ومع انطلاق خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة، أمام فرصة حقيقية لأن يكون القطاع الخاص عنوان المرحلة المُقبلة؛ مرحلة نرى فيها الشركات متناهية الصغر تتحول إلى شركات صغيرة، والشركات الصغيرة إلى متوسطة، والمتوسطة إلى كبيرة، والكبيرة إلى شركات قادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية. لكن هذا التحول لا يحدث تلقائيًا؛ بل يتطلب منظومة حاضنة متكاملة، تعالج التحديات التمويلية والتنظيمية والتشغيلية.

وهنا يبرُز الدور الحيوي للقطاع المصرفي، ولا سيما البنوك التجارية، ليس فقط في توفير التمويل؛ بل في احتضان الشركات ذات المستقبل الواعد، ومساندتها فنيًا واستشاريًا، ومرافقتها في مراحل النمو المختلفة. كما تتعاظم الحاجة إلى تمكين شركات القطاع الخاص في القطاعات الاستراتيجية والرائدة، مثل: التعدين، والسياحة، والصناعة، واللوجستيات، وغيرها من القطاعات التي تمتلك سلطنة عُمان فيها مِيزات تنافسية حقيقية.

إنَّ الهدف الاستراتيجي في المرحلة المقبلة يجب أن يكون واضحًا؛ وهو الاعتماد على قاعدة واسعة من شركات القطاع الخاص القوية القادرة على قيادة النمو وخلق فرص العمل وتعزيز التنويع الاقتصادي وتقوية الاقتصاد الوطني.

ختامًا.. إنَّ التقدم بثقة وثبات في ظل المتغيرات المتسارعة لن يتحقق إلا عندما نؤمن- قولًا وفعلًا- بأنَّ القطاع الخاص شريك أساسي في التنمية، وأن نجاحه هو نجاح للدولة، وأن تمكينه ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية.

ولذلك نؤكد: معًا نتقدّم، مع وضع القطاع الخاص في مكانه الصحيح، والعمل جميعًا على إنجاحه.

الأكثر قراءة

z